كتب الأمين العام للمجلس الاسلامي العربي تجارة الطلاق إنذار بالخطر
تجارة الطلاق... إنذار بالخطر

ارتفاع معدلات الطلاق يهدد أمن واستقرار مجتمعنا
د.السيد محمد علي الحسيني
جعل الله تعالى الأسرة نواة المجتمع، وبها تُصان القيم، وتُربّى الأجيال، ويستقر الإنسان نفسيًا واجتماعيًا. ولذلك امتنّ الله على عباده بقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21]. فالزواج في الإسلام ليس مجرد عقدٍ بين رجل وامرأة، بل ميثاق غليظ، ورسالة لبناء أسرة مستقرة، تُخرج للمجتمع أبناءً صالحين، يحملون قيم الدين والوطن والإنسانية.
غير أن ما نشهده اليوم من ارتفاعٍ متسارع في معدلات الطلاق، واستسهال إنهاء الحياة الزوجية لأسباب يمكن علاجها بالحوار والإصلاح، يدق ناقوس الخطر. والأخطر من ذلك أن تتحول بعض قضايا الطلاق إلى وسيلة لتحقيق مكاسب مادية أو إلى باب للابتزاز واستغلال الأنظمة، فتفقد الأسرة قدسيتها، ويصبح الانفصال تجارة يدفع ثمنها الأبناء والمجتمع.
لقد أرشدنا القرآن الكريم إلى أن يكون الإصلاح سابقًا للانفصال، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: 35]. فالإسلام قدّم العلاج قبل الفراق، والحوار قبل الخصومة، والإصلاح قبل الهدم.
إن الضحية الأولى للطلاق هم الأبناء؛ فهم من يتحملون آثار التفكك الأسري، وما يرافقه من اضطرابات نفسية، وشعور بعدم الأمان، وتراجع في التحصيل العلمي، واضطراب في العلاقات الاجتماعية، وقد تمتد هذه الآثار إلى مراحل متقدمة من حياتهم. ولهذا قال النبي ﷺ: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»، وهي مسؤولية عظيمة لا يجوز التفريط بها تحت تأثير الغضب أو المصالح أو الحسابات المادية.
وقد روي عن أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) قوله: «صلاحُ ذاتِ البينِ أفضلُ من عامةِ الصلاةِ والصيام»، وهي حكمة تؤكد أن إصلاح العلاقات الأسرية والاجتماعية من أعظم القربات، وأن المحافظة على كيان الأسرة عبادة قبل أن تكون مسؤولية اجتماعية.
إن المجتمع الذي تكثر فيه الأسر المفككة يواجه تحديات أمنية وتربوية واقتصادية لا يمكن تجاهلها. فاستقرار الأسرة يعني استقرار المجتمع، أما كثرة النزاعات والخصومات والطلاق غير المدروس، فتؤدي إلى آثار تتجاوز حدود الزوجين لتصيب الأبناء، ثم تمتد إلى المجتمع بأسره.
لذلك، فإن قرار الطلاق ينبغي أن يكون آخر الحلول، وبعد استنفاد وسائل الإصلاح كافة، من الحوار، والاستشارة الأسرية، والتحكيم، والتروي، والنظر في مصلحة الأبناء قبل أي اعتبار آخر. فليس كل خلاف نهاية للحياة الزوجية، وليس كل مشكلة تستوجب هدم بيتٍ بُني على المودة والرحمة.
إننا اليوم بحاجة إلى ترسيخ ثقافة المسؤولية الأسرية، ونشر الوعي بأهمية الحفاظ على الأسرة، والحد من كل الممارسات التي تحوّل الطلاق إلى وسيلة للكسب أو الانتقام أو تصفية الحسابات، لأن الأسرة ليست ساحة صراع، بل هي حصن المجتمع الأول.
فلنتقِ الله في أسرنا وأبنائنا، ولنجعل الإصلاح سبيلنا، والحوار منهجنا، ولنحفظ بيوتنا من الانهيار، فبحفظ الأسرة يُحفظ المجتمع، ويستقر الوطن، وتُصان الأجيال.









